محمد بن عبد الرحمن الإيجي
478
جامع البيان في تفسير القرآن ( تفسير الإيجي )
لا نصدقها ، ولا نكذبها ( 1 ) ، والمنقول عن مجاهد وغير واحد من أئمة السلف أن ذلك الجني لم يتسلط على نسائه ، بل عصمهن منه تشريفًا له - عليه الصلاة والسلام - ، وأما سبب ابتلائه ، فقيل : لأنه أحب امرأة مات أبوها ، وهي تجزع أشد جزع ، فأمر سليمان عليه السلام الشياطين ، فصوروا لها تمثال أبيها تسكينًا لها ، فهي مع ذلك التمثال كعابدة صنم ، فعوتب سليمان على ذلك ، وسلط الله تعالى شيطانًا سرق منه خاتمه الذي فيه ملكه وسلطانه ، وجلس مقامه يخيل أنه سليمان حتى مضى أيام ابتلائه ، وقيل فيه غير ذلك ، والله تعالى أعلم ( قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي ) : ذنبي ( وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي ) كان معجزة زمانه الملك ، فسأل من الله تعالى معجزة خاصة ، لا يكون له فيها شريك إلى يوم القيامة ، والظاهر أنه سأل أعلى المراتب ، ولذلك قال : ( لا ينبغي لأحد من بعدي ) أي : هب لي ملكًا أنا حقيق به وحدي ، وما قال ( 2 )
--> ( 1 ) بل نكذبها ، لكونها لم تأت من وجه يعتبر ، وقد قال أبو شهبة في هذه القصة وأضرابها : نحن لا نشك في أن هذه الخرافات من أكاذيب بني إسرائيل وأباطيلهم . وقد سبق إلى التنبيه إلى ذلك الإمام القاضي عياض في " الشفا " : لا يصلح ما نقله الإخباريون من تشبه الشيطان به ، وتسلطه على ملكه ، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه ؛ لأن الشيطان لا يسلط على مثل هذا ، وقد عصم الأنبياء من مثله " وكذلك الإمام الحافظ الناقد ابن كثير في تفسيره . ( الإسرائيليات والموضوعات ص 272 ) . ( 2 ) هذه أيضًا من جملة القصص التي نبهنا على كذبها . قال النسفي في المدارك : وأما ما يروي من حديث الخاتم والشيطان وعبادة الوثن في بيت سليمان فمن أباطيل اليهود انتهى . وقال الخازن : قال القاضي عياض وغيره من المحققين لا يصح ما نقله الإخباريون من تشبيه الشيطان به وتسليطه على ملكه ، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه ، وإن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا انتهى .